الشهادة الامام الكاظم
الكاتب:مؤسسة الزينبيات الثقافية
التاريخ:10/04/2018
  
  تم تقيم الموضوع من قبل 0 قراء

الشهادة الامام الكاظم



 

الإمام والتحرك السياسي: 
لقد كابد المسلمون عموماً، والعلويون وشيعة آل البيت الويلات جراء الحكم العباسي المتغطرس، فقد قاسوا ظلم المنصور طيلة (22) عاماً1، تحمّلوا خلالها الاضطهاد والعناء، وبعد موته خلفه ابنه محمد المعروف بالمهدي، وكانت سيرته في بداية الأمر حسنة، حيث أطلق سراح العلويين من السجون، ووزع الأموال على الناس حتى ساد الرفاه الاقتصادي في أرجاء الدولة العباسية2.

ولم يستغرق ذلك إلا سنة واحدة حتى غيّر سيرته، وراح يحيي مجالس اللهو والمجون، وسادت إثر ذلك الميوعة والتحلل في المجتمع الإسلامي، فقد ذاع شعر بشار3، وحفظ الناس تغزّله بالنساء4، وانتشرت الرشوة انتشاراً عظيماً5، وأمر المهدي بجباية أسواق بغداد، وشدّد على أخذ الخراج، وعمد إلى ظلم الناس والإجحاف بحقهم، واشتد الضغط عليهم6.

وواصل ابنه موسى الملقّب بالهادي سيرة أبيه، فقد كان شاباً خليعاً ماجناً، لم يكن متمتعاً بشيء من المؤهلات الأخلاقية، فكان شارباً الخمر، وقاسي القلب، سيء الأخلاق، صعب المرام7.

لقد واصل الهادي سيرة أجداده في الضغط على العلويين وبني هاشم، وضيق عليهم منذ بداية خلافته حتى أحدث الرعب والخوف بينهم من خلال مطاردته المستمرة لهم، وأمر باعتقالهم في جميع الأرجاء وإحضارهم إلى بغداد8.

أثارت هذه المضايقات الأحرار من بني هاشم ودفعتهم إلى مواجهة الاضطهاد، وراحت تنمو حركة مناهضة للحكم العباسي بقيادة الحسين بن علي أحد أحفاد الإمام الحسن المجتبى عليه السلام والملقّب (الحسين شهيد فخ).

ما أن ثار الحسين التحق به الكثير من الهاشميين، وأهل المدينة، وقاتلوا قوات الهادي معه حتى أجبروهم على التراجع، ثم قاموا بتجهيز أنفسهم، وانطلقوا نحو مكة كي يستغلوا اجتماع الناس هناك خلال موسم الحج، فأرسل إليهم الهادي جيشاً كثيفاً، والتقى الجيشان في أرض فخ، ونشبت حرب طاحنة، فاستشهد فيها الحسين، وجماعة من سادات بني هاشم، وتفرّق بقية جيشه9.

إن فشل شهيد فخ أدّى إلى مأساة مريرة ومؤلمة، أوجعت قلوب شيعة أهل البيت، وقد بلغ أثر هذه المأساة وفداحتها حداً دفع بالإمام الجواد عليه السلام أن يقول بعد عدة سنوات: "لم يكن لنا بعد الطف مصرع أعظم من فخ"10.

ولم تكن هذه الثورة بلا اتصال مع الإمام الكاظم عليه السلام ، وقد كانت هناك روابط قوية بين شهيد فخ وبين الإمام، وعلى الرغم من أنه عليه السلام كان يتنبأ بفشل الثورة، غير أنه لما شعر أن الحسين مصمم على المضي قال له: "إنك مقتول، فأجدّ الضّراب، فإن القوم فسّاق، يظهرون إيماناً، ويضمرون نفاقاً وشركاً، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وعند الله عز وجل احتسبكم من عصبة"11.

وكان الهادي يعتقد بأن الإمام الكاظم هو الملهم والمرشد الروحي لبني هاشم ولهذه الثورة، فكان يقول: "والله ما خرج حسين إلا عن أمره، ولا اتّبع إلاّ محبته؛ لأنه صاحب الوصية في أهل هذا البيت، قتلني الله إن أبقيت عليه"12.

لقد حزن الإمام الكاظم على الحسين شهيد فخ كثيراً، خصوصاً عندما جاؤوا برأسه إلى المدينة، فأبّنه بقوله: "والله كان مسلماً صالحاً صواماً، كثير الصلاة، محارباً للفساد، آمراً بالمعروف، وناهياً عن المنكر، ولم يكن مثله بين أهله"13.

وكانت حكومة هارون الرشيد أكثر من سوابقها في التشديد على الإمام وأتباعه، فلقد كان هارون مخادعاً، يظهر نفسه للناس - وبمساعدة قاضيه أبي يوسف - بأنه الحاكم الورع العادل، وعلى الرغم من انفتاح الدنيا له إلاّ أنه كان يشعر بميل الناس إلى الإمام الكاظم عليه السلام حتى قال له ذات مرة - عندما التقيا في الحج - هل أنت من بايعه الناس خُفية ورضوا به إماماً؟ فقال الإمام عليه السلام : "أنا إمام القلوب وأنت إمام الجسوم"14.

ولشدة ما خافه هارون الرشيد على سلطانه سجنه في البصرة عند عيسى بن جعفر، ثم نقله إلى بغداد عند الفضل بن الربيع، ثم عند الفضل بن يحيى، ثم عند السندي بن شاهك، وكان أقسى ما لاقاه عند السندي بن شاهك، حتى دسّ السم إليه برطب مسموم بأمر من الرشيد، فقبض في يوم (الجمعة 25 رجب سنة 183هـ).

وحسب أوامر السلطة وضع جثمان الإمام عليه السلام على جسر الرصافة في بغداد وأمر السندي جلاوزته أن ينادوا: هذا إمام الرافضة ما عرفوه، وقد حاول هارون بهذا الأسلوب بالإضافة إلى احتقار الشيعة وإذلالهم، التعرف على أتباع الإمام ومناصريه، وحين سمع سليمان بن أبي جعفر عمّ الخليفة أمر أبناءه بأخذ الجنازة من الشرطة وأمر في الوقت أن ينادى في شوارع بغداد: ألا من أراد أن يحضر جنازة الطيب بن الطيب موسى بن جعفر فليحضر15.


1- سيرة الأئمة: 376.