شعبان جسر العبور إلى شهر رمضان المبارك
الكاتب:مؤسسة الزينبيات الثقافية
التاريخ:07/05/2017
  
  تم تقيم الموضوع من قبل 0 قراء

شعبان جسر العبور إلى شهر رمضان المبارك



 

بمناسبة اقتراب موعد أفول شهر شعبان المعظّم، وعلى أعتاب شهر الله الأعظم، شهر رمضان المبارك، اخترنا لكم مقاطع من كلام وليّ أمر المسلمين الإمام الخامنئي (دام ظلّه الوارف) في محضر جمعٍ من موظّفي ومسؤولي وزارة الاستخبارات الإيرانيّة بتاريخ: ١٣/٧/١٣٨٣.

إذا أردْتُ أن ألخّص سرّ نجاح عملكم في وزارة الاستخبارات فأقول بكلمةٍ واحدة: هو «الإيمان» الذي استطاع طاقمكم هذا أن يجسّده بطريقةٍ استثنائيّة منقطعة النظير. صحيح أنّنا نجد الناس في كلّ أرجاء العالم يحبّون أوطانهم، ويرتبطون ارتباطاً خاصّاً ببلدانهم ويتفانون من أجل ضمان مستقبلٍ أفضل لشعوبهم، وينطلقون من هذه الخلفيّة الوطنيّة في نشاطهم السياسيّ أو الاستخباراتي أو.. ـ وهذه الخلفيّة مشتركة بينكم وبينهم ـ لكن علاقتكم بوطنكم وشعبكم أقوى، وخلفيّتكم أكثر عمقاً؛ لأنّها تتجاوز ذلك كلّه إلى التديّن والإيمان بالغيب والعلاقة والارتباط بالله سبحانه والعمل في سبيله، هذا العمل الذي لا يضيع ولا يذهب هدراً مهما كان ضئيلاً، ولو بمقدار رأس إبرة. هذا ما لديكم.

قال الله تعالى: ﴿فمن يعمل مثقال ذرّةٍ خيراً يره. وأنتم تعلمون ما هو مقدار الذرّة، كتلك الأشياء الصغيرة التي تسبح في الفضاء، والتي ترونها في انعكاس ضوء الشمس، فإن عملتم، فإنّ عملكم لن يضيع. افرضوا أنّ أحدكم انتهى دوام عمله، لكنّه عمل لخمس دقائق إضافيّة، بحيث لا يشعر بهذه الزيادة مديره ولا مسؤوله في العمل، وبحيث لا تُدرج في سجلّه الوظيفيّ، ولا تُحتسب له كإضافةٍ على دوام العمل، فإنّ الله تعالى يرى عمله هذا، وسيسجّل الكرام الكاتبون في سجلّ أعماله أنّ هذا الإنسان قد عمل زائداً على ما هو المطلوب منه لمّا رأى الدوام لا يكفي لإنجاز العمل. مثل هذا الأمر لا يمكن لنا أن نجده إلّا في ظلّ التديّن والإيمان الدينيّ.

أو لو أنّ أحدكم وُضع أمامه مال، وقد يُقدّم لكم بعناوين مختلفة، كرشوةٍ تارة، أو هديّة أحياناً، أو غير ذلك، وقد يكون بإمكانكم أن تأخذوه وتضعوه في جيوبكم دون أن يشعر بكم أحد، ودون حاجةٍ إلى أيّ إمضاء منكم، ودون أن تسبّبوا لأنفسكم أيّ حرج أو ملاحقة، لكنّكم مع ذلك تمتنعون عن أخذه لأنّكم لا تحرزىن رضا الله عزّ وجلّ، وتخشون ﴿يوم يفرّ المرء من أخيه وأمّه وأبيه وصاحبته وبنيه لكلّ امرئٍ منهم يومئذٍ شأن يغنيه، و ﴿يوم يجعل الولدان شيب، وتنتظرون أن تكونوا من الذين لهم ﴿وجوه يومئذٍ ناضرة، تمتنعون بسبب ذلك عن قبض هذا المال وهذه الدولارات وهذه العملات الأجنبيّة، وتصرّون على أداء عملكم على أكمل وجه، رغم أنّكم كنتم قادرين على أخذها، ورغم أنّ هوى أنفسكم كان ميّالاً إلى أخذها، وترفضون أن تقدّموا تقريراً غير واقعيّ أو معلومات مغلوطة قد تؤثّر عليكم أو على زملائكم أو قد تكون لصالح عدوّكم، عند ذلك، سيكون عملكم الصالح هذا ذخراً لكم في تلك الدار، وستجدونه أهمّ بكثير من هذا المال الذي كنتم ستأخذونه.

إنّ سبب هذا التقدّم في عمل وزارة الاستخبارات وفي جهاز الاستخبارات في الجمهوريّة الإسلاميّة هو هذا الإيمان الدينيّ؛ لأنّ عملكم قائم على الإيمان وحبّ الله ومراقبته. نقرأ في بعض فقرات زيارة الإمام الحسين عليه السلام، أو في زيارات الأئمّة عليهم السلام: «صبراً واحتساباً»، وأنتم صبرتم على هذه المسؤوليّة العظيمة وهذا التكليف الشاقّ واحتسبتم عملكم هذا عند الله تعالى. ومن يحتسب عمله عند الله فإنّ عمله يجب أن يكون لله؛ فإنّ الله لا يُخدع عن دينه. ولا يستطيع الإنسان أن يعمل عملاً بوحيٍ من شهوته أو غضبه ثمّ يقول: هذا عمل لله. هذا العمل الذي قد لا يكون مريحاً لكم، وقد لا يعود عليكم بالنفع المادّيّ، لكنّكم ـ مع ذلك ـ تقومون به تقرّباً الله وفي سبيل الله، هذا هو العمل الذي يمكن أن يُسمّى عملاً لله، وهذا هو العمل الصالح. أنتم تستطيعون من خلال عملكم في وزارة الاستخبارات أن تكونوا سلمان هذا العصر، فلقد أُتيحت لكم فرص واختيارات عديدة، وعليكم أن تغتنموا هذه الفرص وتستفيدوا منها.

لقد كنتُ خلال فترة الحرب المفروضة على إيران أتأمّل الوصايا التي كان يتركها أولئك الشبّان الذين كان يدفعهم العشق إلى الجهاد والشهادة، وقد أفادتني هذه الوصايا كثيراً، فهي تضيء القلوب السوداء والمظلمة، وتعكس شعاعاً نورانيّاً في أعماق نفس الإنسان وروحه. عندما كنت أتصفّح هذه الوصايا، كنت أجد شابّاً في عمر السابعة عشرة من عمره، أو العشرين، يعمد في الأيّام أو الأسابيع الأخيرة من عمره إلى كتابة وصيّته، دون أن يكون على علمٍ بأنّه سيصير شهيداً بعد أيّام أو أسابيع، لكن لمجرّد أنّه كان يحتمل الشهادة، كان يكتب وصيّته، وفي أكثر الأحيان، ستجدون أنّ هذه الوصايا رقيقة للغاية، فيها من العرفان والروحانيّة الشيء الكثير، بحيث لا يُخيَّل لمن يقرؤها إلّا أنّ الذي كتب هذه الوصايا قد كان من العرفاء الكمّل.

هذا في وقتٍ كنّا نجد فيه شيوخنا وكبارنا من أساتذة السلوك والعرفان، يجاهد الواحد منهم ثلاثين أو أربعين أو خمسين عاماً، ويعاني، ويقوم بالعبادات والرياضات الروحانيّة الشاقّة، حتّى استطاعوا في آخر أعمارهم أن يبلغوا مرحلة الفناء في الله تعالى، ورؤية وجهه الكريم عزّ وجلّ ﴿إلى ربّها ناظرة. عرفتُ أحد كبار العرفاء المعروفين من أهل السلوك، ومن كبار العلماء، وكنتُ قد زرتُه يوماً في منزله، لكنّ في أواخر عمره عاش في النجف الأشرف، ومؤخّراً أخبرني ابن أخيه الذي كان يعيش في طهران أنّ ذلك العارف قد كتب إليه من النجف يقول له: إنّ ذلك الشيء الذي كنت أنتظره لسنواتٍ وسنوات قد منّ الله تعالى عليّ به في هذه الأيّام. فهو بعد أربعين أو خمسين عاماً من المجاهدة، والعبادة، والرياضات، وترك المعصية، والعمل بالمستحبّات، والصيام، وتحمّل الصعاب، وتحمّل الجوع والفقر، وبعد نكران الذات، وعدم المبالاة بالعناوين والألقاب والتخلّي عن المناصب والزعامة، وعدم المبالاة بها، والعيش بزهدٍ وورع، وبعد التوجّه الدائم إلى الله سبحانه، وصل إلى هذه الحالة التي كان يبحث عنها. لكنّني كنتُ أرى شابّاً في السابعة عشرة أو في العشرين من عمره، ممّن لم يجاهد هذه المجاهدة، ولم يكابد كلّ هذا العناء، ولم يقم بكلّ تلك الرياضات، ولم يصرف خمسين عاماً من عمره في هذا العمل، ولم يتتلمذ عند أستاذ، لم يقم بكلّ هذا، بل قام بأمرٍ واحد فقط، هو أنّه ضحّى بنفسه، وقدّم روحه لله تعالى، فأعطاه الله سبحانه هذه الموهبة المعنويّة السامية، إلى درجة أنّكم إن سمعتم حديثه، أو قرأتم ما كتبه في وصيّته، فستشعرون كأنّ المرحوم السيّد علي القاضي، أو المرحوم الميرزا جواد ملكي، هو الذي يتحدّث، أي أنّ كلام مثل هذا الشاب كانت له نكهة ورائحة كلام هؤلاء العرفاء الكبار. مع أنّ هذا الشابّ قد لا يكون هناك أحد عرفه أو سمع باسمه. فهل هذا أمر قليل أو عاديّ؟!

كلّا بالطبع. وهذه الفرصة الآن هي بمتناول أيديكم. وإن كان عملكم أصعب وأدقّ من عمل مثل هذا الشابّ. إنّ عمر مجاهدة ذلك الشابّ كان قصيراً، لكنّ كيفيّته كانت مرتفعة، وأمّا عمر مجاهدتكم أنتم فطويل. وعندما يكون الطريق طويلاً، فإنّ احتمال الانزلاق أو ارتكاب حادث أو خطأ يكون أكبر، من هنا، عليكم أن تنتبهوا جيّداً. فإذا انتبهتم للطريق التي تسلكونها، وراقبتم أنفسكم جيّداً، أي: امتلكتم التقوى ـ إذ التقوى ليست شيئاً آخر سوى أن يراقب الإنسان نفسه ـ، فإنّ هذه الفرص الاستثنائيّة أو المنقطعة النظير التي أُتيحت لكم سترفعكم إلى القمّة. فإذا وُجد مثل هذا الإيمان في مجموعةٍ من الأشخاص، فإنّ هذه المجموعة ستزيد إنتاجيّتها وقدرتها وستتضاعف طاقتها، وحينئذٍ: لن يكون بمقدور أحدٍ من الخصوم والمنافسين في العالم وسائر أجهزة الاستخبارات العالميّة بكلّ تجهيزاتها المتطوّرة وتقنيّاتها وأنظمتها المعقّدة وإمكانيّاتها الواسعة جدّاً، لن يكون بوسع أحدٍ من هؤلاء أن يواجه مثل هذه المجموعة، أو أن يفوز في حربه عليها.
أعزّائي! عليكم أن تعملوا على تقوية هذا الإيمان، في أنفسكم، وفي الطاقم الذي تعملون معه أو يعمل بإمرتكم. إنّ أيّ مديرٍ، في أيّ مستوىً كان، له تأثير مباشر على المجموعة التي هو مسؤول عنها؛ فإنّ هؤلاء يتأثّرون كثيراً بكم وبسلوككم وحركاتهكم وتصرّفاتكم، بطاعتكم، أو ـ لا سمح الله ـ بمعصيتكم، وليس صحيحاً أنّ المعصية التي قد نقترفها لن يشعر بها أحد.

ورد في الآية الكريمة: ﴿الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلّا اللّمم، اللّمم يعني أنّ الإنسان عندما يرتكب خطأً ما عن جهالةٍ، فإنّه يتوجّه فوراً إلى الله عزّ وجلّ، ويقول: يا ربّ قد أخطأتُ، ثمّ يبادر إلى التوبة. هذا هو اللّمم. نعم، قد يتكرّر هذا الخطأ من الإنسان، إلّا أنّ هذا لا يعني الإصرار على الذنب والمعصية. هذه الأخطاء التي قد يرتكبها الإنسان مرّةً، كلّنا لدينا مثلها، كلّنا ـ نحن غير المعصومين ـ نُبتلى باللّمم، إذا راقبنا أنفسنا فإنّنا نُبتلى باللّمم، فماذا لو لم نراقب أنفسنا أصلاً؟! مثل ذلك الإنسان الذي يقف على رأس شلّالٍ، لكنّه سرعان ما يفقد السيطرة على نفسه، حتّى يهوي مع الشلّال إلى قعر الوادي.

عليكم أن تقوّوا الإيمان فيما بينكم، في مجموعتكم، في نسائكم وأطفالكم، في أسركم وعائلاتكم. أريد اليوم أن أذكّر جميع الحاضرين الأعزّاء هنا من الإخوة والشباب والرجال أنّ عليكم الاهتمام بأُسركم وعائلاتكم. في بعض الأحيان، قد تتحوّل العائلة إلى وسيلةٍ للفساد، وذلك عندما لا نهتمّ بها، ولا نراقب شؤونها، عند ذلك يمكن أن تفسدنا عائلاتنا، لماذا؟ لأنّ العائلة تشكّل وسيلة ضغطٍ قويّة على كلّ واحدٍ منّا؛ لما لها من المحبّة في قلوبنا. هذه المحبّة التي تترك أثرها علينا، على عقلنا، وتفكيرنا، ومعتقداتنا، وتشخيصنا، حتّى إذا زلّ بنا اللّسان مرّةً بسبب ذلك، شعرنا مرّةً بعد أُخرى بأنّ هذه الزلّة ليست سيّئةً إلى هذا الحدّ. لذلك يمكن أن تكون العائلة مصيبةً من هذه الناحية، إذا لم نراقبها جيّداً، ولم نُعطها كثيراً من الاهتمام والرعاية. وكذلك في طاقمكم الوزاري، وفي أقسام وزارتكم العمليّة منها والتعليميّة، لا بدّ لكم بكلّ تأكيد من الاعتناء بهذه النقطة وأن تُلفتوا إليها أنظار العناصر التي تعمل معكم. 

علينا أن نهتمّ بعائلاتنا، بنسائنا، بأولادنا. أحياناً يكونون أفضل منّا، وأحياناً يكونون بحاجةٍ إلينا كي نصونهم ونحافظ عليهم. فإن كانوا أفضل منّا فعلينا أن لا نقوم بما يسيء إليهم، أو يتسبّب بفسادهم. وإن وجدنا أنّهم بحاجةٍ إلى عوننا ومساعدتنا فعلينا أن نساعدهم ونقدّم يد العون إليهم. قال تعالى: ﴿قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة، وهذه الآية دالّة بشكلٍ صريح وواضح على أنّ وظيفتنا هي الحفاظ على نسائنا وأولادنا. وبطبيعة الحال، نحن بحاجة في ذلك إلى العود والمدد من الله سبحانه، وعلينا أن نعلم ذلك جيّداً، علينا أن نطلب منه تعالى المدد والعون والمساعدة.

يجب أن نستفيد من هذه الفرص. وها هو شهر شعبان ـ للأسف الشديد ـ على مشارف الانقضاء. شهر شعبان شهر الدعاء، وشهر العبادة. نقرأ في الصلوات الشعبانيّة المذكورة في كتاب مفاتيح الجنان: «الذي كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يدأب في صيامه وقيامه في لياليه وأيّامه بخوعاً لك في إكرامه وإعظامه إلى محلّ حمامه»، وبعد هذه الصلوات ورد: «اللّهمّ فأعنّا على الاستنان بسنّته فيه». وأنتم تعلمون جيّداً أنّ شهر شعبان هذا هو الممرّ وجسر العبور إلى شهر رمضان المبارك.
شهر رمضان مائدة وقاعة الضيافة الإلهيّة، هو مَضافة عظيمة من دخلها، وكان متأهّباً لدخولها، مستعدّاً، باذلاً همّته وما يستطيعه فيها، فإنّه سيستفيد من كلّ ما أتاحه الله تعالى على هذه المائدة من النعم والخيرات، وسيحصل لنفسه على نفعٍ كبير منها، وهذه المنافع والمواهب الإلهيّة لا يتوفّر مثلها في شهر شوّال، ولا في غيره من شهور السنة، هي من مختصّات شهر رمضان.

فمن أنواع وأقسام هذه الضيافة الإلهيّة: الرحمة الإلهيّة، العزّة الإلهيّة، التوفيق الربّانيّ، القرب الإلهيّ، الشعور بالاستغناء الناشئ عن التفضّل الإلهيّ، الرزق المادّيّ، الرزق المعنويّ، كلّ ذلك من بركات شهر رمضان المبارك، كلّ ذلك من صنوف المواهب التي أعدّها الله تعالى على هذه المائدة الإلهيّة.

بعض الناس يدخلون هذه المضافة، لكنّهم لا ينظرون إلى هذه المائدة، بل يمرّون من وسطها، من بين المواهب والنعم الموجودة عليها، دون أن يستفيدوا لأنفسهم بشيءٍ منها. وبعض الناس قد يحصّلون لأنفسهم نفعاً منها، لكنّه نفع قليل، فنحن إذا اقتصرنا على الإمساك عن الطعام والشراب، فإنّ ما سنحصّله من هذه الضيافة الإلهيّة سيكون قليلاً جدّاً ومختصراً.

لكنّ البعض منّا يجلسون إلى هذه المائدة، بهمّةٍ عالية، وعزيمة راسخة، فيملأون جعبتهم من صنوف الرحمة الإلهيّة المبذولة عليها، فهم يريدون العزّة، ويريدون الدنيا، ويريدون الآخرة، ويريدون دفع البلاء، ويريدون الرخاء والرفاهية في الدنيا، ويريدون العفّة وعزّة النفس والاستغناء عن الخلق، ويريدون عالي الصفات والأخلاق الحسنة، وبعزيمتهم وصبرهم ينالون كلّ ما يريدونه لأنفسهم، وللآخرين أيضاً.

ولكي يتمكّن الإنسان عند دخوله لهذه المضافة أن يمعن النظر جيّداً في النعم الإلهيّة الموجودة فيها، كي لا يصاب بالغفلة والذهول، كي يبقى منتبهاً لكلّ ما يراه هناك، كي يعرف أين يجلس تحديداً، ومن أيّ بابٍ يدخل، كي يتمكّن من الاستفادة التامّة من الضيافة الإلهيّة، كي نكون أنا وأنت على جهوزيّةٍ واستعدادٍ لهذه المواهب العظيمة، فقد وضعوا لنا شهري رجب وشعبان. فلرجب نكهة ولون خاصّ، ولشعبان نكهة ولون آخر. شهر رجب هو في الأغلب شهر الصلاة، وأمّا شهر شعبان فهو في الأغلب شهر الدعاء والصيام. وهذه المناجاة الشعبانيّة بين أيديكم. وأنا كنتُ فيما مضى قد سألْتُ الإمام الراحل (رضوان الله عليه) أنّه من بين هذه الأدعية المأثورة الواردة، ما هو الدعاء الذي تفضّلونه وترتاحون إليه أكثر، فقال: دعاء كميل والمناجاة الشعبانيّة. وللصدفة، فإنّ كلا هذين الدعاءين هما من أدعية شهر شعبان. فأنتم تعلمون أنّ دعاء كميل وارد أصلاً في ليلة النصف من شعبان، كما أنّ المناجاة الشعبانيّة المنقولة عن الأئمّة (عليهم السلام) منقولة أيضاً في أعمال شهر شعبان. ونلاحظ أنّ لهذين الدعاءين لحناً متقارباً، ففي المناجاة الشعبانيّة: «وإن أدخلتني النار أعلمْتُ أهلها أنّي أحبّك»، وفي دعاء كميل: «لئن تركتني ناطقاً لأضجّنّ إليك بين أهلها ضجيج الآملين ولأصرخنّ إليك صراخ المستصرخين ولأبكينّ عليك بكاء الفاقدين».

يجب أن نأنس بمثل هذه الأدعية المباركة، وأن نرقّق بها قلوبنا. إنّ هذا القلب هو شيء عجيب جدّاً، ففي بعض الأحيان يتحوّل هذا القلب إلى وسيلةٍ لارتقاء الإنسان وعروجه إلى أعلى فضاءات الروحانيّة والأجواء المعنويّة، وفي أحيانٍ أُخرى، يكون بالعكس تماماً، يتحوّل إلى حجرٍ ثقيل، إلى صخرة مربوطةٍ برجل الإنسان تُغرقه وتهوي به إلى الأعماق السحيقة، إلى قعر الوادي، تأخذه إلى الهلكة. فإن جعلتم قلوبكم متعلّقةً بالمال والشهوة الجنسيّة والمناصب وهذه المسائل الدنيويّة، فهو عندئذٍ سيتحوّل إلى هذه الصخرة الثقيلة، ولن يعود قلباً على الحقيقة.

هذا القلب الذي نغرس فيه حبّ السيّارة الكذائيّة، ليس قلباً، بل هو (كاراج)، أو (موقف سيّارات)!! هذا القلب الذي نجعله يتعلّق بالشهوة الجنسيّة لن يبقى قلباً، سيتحوّل إلى بيتٍ للدعارة. القلب لا يكون قلباً إلّا إذا كان بيتاً لله عزّ وجلّ، بيتاً للنور الإلهيّ.

اللّهمّ اجعل هذه الكلمات التي قلناها مؤثّرةً في قلوبنا، في قلبي أنا، وفي قلوب هذا الجمع. وفّقنا للسعي والعمل والخدمة مع الإيمان والخشوع. هذا الشباب المؤمن الصالح، هؤلاء الأشخاص الصالحون، اللّهمّ تقبّل خدمتهم وبيّض وجوههم عند صاحب العصر والزمان (عج).