الحدّ الفاصل بين التوحيد والشرك
الكاتب:مؤسسة الزينبيات الثقافية
التاريخ:27/07/2016
  
  تم تقيم الموضوع من قبل 0 قراء

هل الاعتقاد بوجودٍ لغير الله شرك؟1

الحدّ الفاصل بين التوحيد والشرك - الشهيد مرتضى مطهر

هل الاعتقاد بوجودٍ لغير الله شرك؟1

هل الإيمان بموجود غير الله يعدّ شركًا في الذات، ويعني تعدّد الذوات الإلهية الغنية؟ وهل يستلزم توحيد الذات رفض أيّ وجود آخر غير الله، حتى وإن كان مخلوقاً لله؟ مثل هذا السؤال يطرح في مباحث وحدة الوجود.

بديهي أنّ خلق الله هو فعل الله، وفعل الله شأن من شؤون الباري تعالى، أي إنَّ فعل الله ليس ثانياً لله ولا يقع قبال الله. مخلوقات الله تجلّيات لفيّاضيته، والاعتقاد بوجود المخلوق باعتباره مخلوقاً يكمل الاعتقاد بالتوحيد ويتمّه، وليس ضدّ التوحيد. فالحدّ الفاصل بين التوحيد والشرك لا يتمثّل في الإيمان بوجود أو عدم وجود شيء آخر غير الله.

هل الاعتقاد بدور المخلوقات في التأثير شرك؟2
هل الاعتقاد بدور المخلوقات في التأثير والتأثّر والسببيّة والتسبّب شرك؟ (أي شرك في الخالقية والفاعلية). وهل يستلزم التوحيد في الأفعال إنكار نظام الأسباب والمسبّبات في العالم؟ ممّا يعني أن نَعْزي كلّ أثر إلى الله مباشرة ومن دون واسطة، وأن نرفض وجود أيّ دور للأسباب، كأن ترفض مثلاً دور النار في الإحراق، ودور الماء في الإرواء، والمطر في الإنماء، والدواء في الشفاء، ونعتقد أنّ الله هو الذي يحرق ويروي وينمّي ويشفي مباشرة، ولا قيمة لهذه الوسائط، وأنّ القضية ليست سوى أنّ الله تعالى جرت عادته أن ينجز أفعاله بحضور هذه الوسائط، تماماً مثل ذلك الكاتب الذي اعتاد أن يكتب وهو يلبس قبّعته، لكن وجود القبّعة وعدمها لا تأثير له في فعل الكتابة؟!

أجابت فئة وهم الأشاعرة والمجبّرة على التساؤلات المذكورة بالإيجاب، وذهبت إلى أنّ الإيمان بالأسباب والمسبّبات هو اعتقاد بوجود شركاء لله.

هذه النظرية غير صحيحة أيضاً، فكما أنّ الإيمان بوجود مخلوق لا يعني الشرك الذّاتي ولا يؤدّي إلى الاعتقاد بإله آخر وإلى وجود قطب قبال الله، بل هو مكمّل للاعتقاد بالله الواحد الأحد، كذلك الاعتقاد بالتأثير والسببية ودور المخلوقات في نظام العالم ليس شركاً، بل متمّماً للاعتقاد بخالقية الله، مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ الموجودات غير مستقلّة في التأثير، وغير مستقلّة في الذات، فهي موجودة بوجود الله، ومؤثّرة بتأثيره.

نعم، الاعتقاد باستقلال المخلوقات وبتفويضها في التأثير هو شرك، أي الاعتقاد بأنّ نسبة الله إلى العالم، كنسبة الصانع إلى الآلة المصنوعة، أي كنسبة صانع السيارة مثلاً إلى السيارة هو شرك، فالآلة المصنوعة تحتاج في صناعتها إلى الصانع، ولكنّها - بعد صنعها - تستمرّ في مواصلة عملها حسب قوانينها الميكانيكية، دون أن يكون للصانع تأثير في العمل. ولو نسبنا عوامل الطبيعة، مثل الماء والمطر والبرق والحرارة والتربة والنبات والحيوان والإنسان إلى الله مثل هذه النسبة (نسبة الصانع إلى الآلة المصنوعة)، لكان ذلك شركاً حتماً.

المخلوق بحاجة إلى الله في حدوثه وبقائه، إنّه محتاج إليه في بقائه وتأثيره قدر احتياجه إليه في حدوثه، فالعالم هو عينِ الفيض وعين الارتباط. ومن هنا، فإنَّ تأثير الأشياء وسببّيتها عين تأثير الله وسببيّته، وخلاقية القوى المودعة في الإنسان وفي غير الإنسان هي عين خلاقية الله وبسط فاعليته، ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاء حَسَناً إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ3.

وهنا ينبغي الإشارة إلى أنّ اعتقاد الأشاعرة المذكور، أي الاعتقاد بأنّ إقرار الدور للأشياء في العالم شرك، هو الشرك بعينه، لأنّ القائلين به آمنوا دون وعي باستقلال ذات الموجودات مقابل ذات الله تعالى. ومن هنا، فإنّهم اعتبروا الموجودات ذات التأثير مستقلةً في التأثير أيضاً وشريكة مع الله تعالى.

هل الإيمان بقوّة خارقة لبعض الموجودات شرك؟4
الوهابيون ومن لفَّ لفهم ذهبوا إلى أنّ الاعتقاد بوجود قوّة خارقة (تفوق القوانين الطبيعة العادية) في موجود، ملاكاً كان أم إنساناً (نبياً أو إماماً) هو شرك. وجعلوا من هذه المسألة أساساً للتمييز بين الإيمان والشرك. كما ذهب هؤلاء إلى أنّ الاعتقاد بقوّة الإنسان المتوفّى وتأثيره شرك أيضاً، لأنّ الإنسان الميت جماد عندهم، والجماد ليس له شعور ولا قدرة ولا إرادة. من هنا قالوا إنّ الاعتقاد بوجود إدراك للميت والسلام عليه واحترامه والحديث معه والطلب منه شرك لأنّ هذه الأمور تستلزم الاعتقاد بوجود قوّة خارقة لغير الله.

وذهبوا أيضاً إلى أنّ الاعتقاد بوجود تأثيرات خفيّة مجهولة للأشياء، كالاعتقاد بقدرة تربة معيّنة على الشفاء، أو بتأثير مكان معيّن على استجابة الدُّعاء شرك، لأنّ ذلك يستلزم الاعتقاد بوجود قوّة خارقة في شيء، وهو شرك بالله.

هذا على الصعيد النظري، وعلى الصعيد العملي ذهب هؤلاء إلى أنّ كل توجّه معنوي إلى غير الله هو شرك، أي إنّ كلّ توجّه قلبيّ معنويّ نحو جهة غير الله والطلب منها والتوسّل بها شرك، لأنّ مثل هذه الأفعال عبادة لغير الله، وتشبه ما يفعله المشركون تجاه أوثانهم، وتستلزم الإيمان بقوّة خارقة لتلك الجهة (النبي أو الإمام).

الفكرة الوهابية من أكثر الأفكار شركاً في المعايير التوحيدية. هؤلاء آمنوا من حيث لا يعلمون بنوع من الاستقلال الذاتي للأشياء، من هنا ظنّوا أنَّ الاعتقاد بوجود قوّة خارقة في الأشياء يستلزم الاعتقاد بشركاء لله، غافلين عن أنّ الموجود المرتبط في كلّ هويّته بإرادة الله تعالى، والذي ليس له أيّ كيان مستقل، إنّما يستند في تأثيره الخارق والطبيعي معاً إلى الله تعالى. 

وهذا الموجود ليس سوى مجرى لمرور فيض الله تعالى إلى الأشياء. وهل يكون الاعتقاد بأنّ جبرائيل واسطة لفيض الوحي والعلم؟ وأنّ ميكائيل واسطة الرِّزق؟ وأنّ إسرافيل واسطة الأرواح؟ وعزرائيل ملك الموت؟ هل هذا الاعتقاد شرك؟!

الفكرة الوهّابيّة أسوأ أنواع الشرك في إطار التوحيد في الخلق، لأنّها تؤمن بنوع من التقسيم في العمل بين الخالق والمخلوق. فالأعمال الميتافيزيقية - بموجب هذا التفكير- خاصّة بالله، والأعمال الطبيعية خاصّة بالمخلوق أو مشتركة بين الخالق والمخلوق، وإنّ تخصيص إطارٍ لأعمال المخلوق هو عين الشرك في الفاعلية، وتخصيص الإطار المشترك من الخالق والمخلوق نوع آخر من الشرك في الفاعلية.

خلافاً لما هو شائع، الوهابية ليست نظرية معادية للإمامة فحسب، بل إنّها أكثر من ذلك، هي معادية للتوحيد ومعادية للإنسان. إنّها معادية للتوحيد لأنّها تؤمن بتقسيم الأفعال بين الله والإنسان، إضافة إلى وقوعها في نوع من الشرك الخفي كما أوضحنا ذلك. وهي معادية للإنسان لأنّها لم تفهم المزايا المودعة في الإنسان والتي تؤهّله لأن يسمو على الملائكة، ولأن يكون خليفة الله في الأرض بنصّ القرآن الكريم، ولذلك تنزله إلى حدّ الحيوان البهيمة.

إضافة إلى ما سبق، إنّ التفريق بين الحيّ والميت بهذا الشكل، واعتبار الأموات حتى في الحياة الأُخرى غير أحياء، وحصر شخصية الإنسان في البدن المادي الذي يتحوّل إلى جماد بموته، أفكار مادية معادية للتفكير الإلهي.

حقيقة الحدّ الفاصل بين التوحيد والشرك
الحدّ الفاصل بين التوحيد والشرك في إطار علاقة الله والإنسان والعالم هو الإيمان بقوله تعالى: ﴿إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ5. الحدّ الفاصل بين التوحيد والشرك في إطار التوحيد النظري هو ﴿إِنَّا لِلّهِ. فنظرتنا للحقائق والموجودات تكون توحيدية حين ننظر إليها في ذاتها وصفاتها وأفعالها على أنّها "لله"، سواء أكانت تلك الحقائق والموجودات ذات أثر واحد أم عدّة آثار أم لم تكن كذلك، وسواء أكانت تلك الآثار خارقة أم طبيعية، لأنّ الله ليس إله عالم السماوات والملكوت فقط، بل هو إله الكون كلّه6.

فهو تعالى القيُّوم على عالم الطبيعة وعالم ما وراء الطبيعة معاً. وإنّ إضفاء طابع ما وراء الطبيعة على موجود، لا يعني تأليهه.

ذكرنا من قبل أنّ العالم - في التصوّر الإسلامي - له طابع الاستمداد من الله ﴿إِنَّا لِلّهِ، والقرآن الكريم في مواضع متعدّدة ينسب بعض المعاجز إلى الأنبياء، كإحياء الموتى وشفاء الأكمه والأبرص، لكنّ هذا الانتساب مقرون بالتأكيد على أنَّ ذلك يتمّ بإذن الله، وهذا التأكيد يوضّح ماهية الاستمداد الإلهي في الأعمال، كي لا يظنّ أحد أنَّ للأنبياء استقلالاً ذاتياً.

فالحدّ الفاصل بين التوحيد النظري والشرك النظري هو هذه النظرة الاستمدادية للعالم، الاعتقاد بوجود موجود لم يستمدّ وجوده من الله شرك، والاعتقاد بتأثير موجود لم يستمدّ قدرة تأثيره من الله شرك أيضاً، سواء أكان التأثير طبيعياً أم ما وراء الطبيعي.

... الأنبياء والأولياء طرق البشرية نحو الوصول إلى الله "أنتم السبيل الأعظم والصراط الأقوم"، وهم علامات في طريق السير إلى الله "وأعلاماً لعباده ومناراً في بلاده"، وهم هداة للبشرية نحو الخالق "... الدعاة إلى الله والأدلّاء على مرضاة الله"7.

ليست إذاً زيارة أولياء الله الصالحين والتوسّل بهم وتوقّع صدور أعمال خارقة منهم بشرك، غير أنّ هناك عدّة مسائل في هذا المجال ينبغي أن نشير إليها:
أوّلاً: مسألة سموّ الأنبياء والأولياء في مراتب القرب الإلهي إلى درجة استحقّوا معها هذه الهبة الإلهيّة، حيث يُستشفّ من القرآن الكريم أنّ الله سبحانه يمنُّ على بعض عباده بمثل هذه الدرجة والمنزلة8.

ثانياً: أولئك الذين يذهبون إلى زيارة قبور الأولياء ويتوسّلون بهم يختلفون في تعمّقهم وإدراكهم لمسائل التوحيد. أكثر الزائرين دون شك يفهمون فهمًا فطريًّا أنّهم يتخذون من صاحب القبر وسيلة نحو الهدف والقصد، ومن الممكن أن تكون هناك أقلّية ليس لهم هذا الفهم التوحيدي، ولو على المستوى الفطريّ، وهنا يتوجّب علينا أن نوضّح التوحيد لهؤلاء، لا أن نصف الزيارة بالشرك.

ثالثاً: كل قول وفعل يفصح عن التسبيح والتكبير والحمد والثناء على ذات الكامل المطلق والغني المطلق هو شرك إن كان لغير الله. إنّه تعالى وحده السبُّوح المطلق والمنزّه المطلق من كلّ عيب ونقص، إنّه وحده الكبير المطلق، وإليه يعود كل حمد، ولا حول ولا قوّة إلّا به. وإطلاق مثل هذه الأوصاف على غير الله في القول والعمل شرك9.

القرآن الكريم يقدّم مثالاً حول تشتّت شخصية الإنسان في ظلّ نظام الشرك، ومثلاً على وحدة شخصيّته المتكاملة في ظلّ النظام التوحيدي، إذ يقول: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاء مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ10.

الإنسان في إطار نظام الشرك مجذوب في كلّ لحظة نحو قطب واتّجاه، إنّه كريشة في مهب الريح تتقاذفها الرياح من كلّ جانب. أمّا في إطار النظام التوحيدي فهو مثل سفينة مجهّزة بكلّ وسائل القيادة، تسير في حركة منتظمة منسّقة، بإمرة مصدرٍ خيّر.

* دراسات عقائدية - الشهيد مرتضى مطهري، نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.