الأخلاق الحسينيّة
الكاتب:مؤسسة الزينبيات الثقافية
التاريخ:10/11/2014
  
  تم تقيم الموضوع من قبل 0 قراء

أخي الكريم ، عندما تريد أن تتحدّث عن مسألة فلا بدَّ لك من الإحاطة العلمية بها ، وإلاّ فإنّ اللوم سوف يُطالك من حيث لا تدري ، وكذلك أي قضية من القضايا تريد أن تدرسها فلا شك في أنّك يجب أن تستغرقها بحثاً من جميع نواحيها ؛ لكي لا يكون بدراستك نقص ، وفي بحثك مغمز .

أخي الكريم ، عندما تريد أن تتحدّث عن مسألة فلا بدَّ لك من الإحاطة العلمية بها ، وإلاّ فإنّ اللوم سوف يُطالك من حيث لا تدري ، وكذلك أي قضية من القضايا تريد أن تدرسها فلا شك في أنّك يجب أن تستغرقها بحثاً من جميع نواحيها ؛ لكي لا يكون بدراستك نقص ، وفي بحثك مغمز .
وهكذا الأشخاص ، فأيّ شخصيةٍ تريد أن تتناولها بالبحث ، عليك أن تستهلكها بذاتك حتّى تتقمّصها إن استطعت ، أو لا أقل الإحاطة بالظروف الاجتماعية والحياتية زماناً ومكاناً وملابساتٍ ؛ حتّى تُعطي الشخصية حقّها منك بحثاً وفكراً ومجهوداً .
فالأخلاق : بحث واسع وعنوان عريض يشمل جميع الفضائل الخلقية وعكسها في الحياة الاجتماعية ، وتطبيقها على  أرض الواقع الذي نعيش فيه .
فإذا أردت أن تدرس مفرداتٍ أخلاقيّة دراسة مجرّدة ، فإن المسألة تختصّ بالفلسفة والمفاهيم الصوريّة ، وأمّا إذا أردت تطبيق تلك المفاهيم وانتزاع صور وشواهد عليها بتجسيدها في الحياة العامّة ، فإنّ الأمر يخرج من التصوّر إلى التصديق ، ومن المجرّد إلى الواقع ، ومن النظرية إلى التطبيق ، وتلك هي الفلسفة العملية للأخلاق .
والفلسفة الأخلاقيّة المجرّدة لا نريدها ؛ لأنّنا لا نستفيد منها في حياتنا إلاّ إذا اتّخذناها منهجاً عملياً نسير بهداها ، ونطبّق حروفها وحدودها على حياتنا اليومية ، تلك المفردات والمفاهيم التي عجز عن تطبيقها كاملاً إلاّ الأشخاص الكاملون في شخصياتهم الإنسانيّة .
فالشخص الكامل : هو الذي يتحوّل من وجود شخصي إلى شعار إنساني ؛ لأنّه يتجرّد من ذاته للحقّ ولوجه الحقّ الذي يمثّله ، فيكون ممثلاً للحقّ ومحوراً له في حياته كلّها ، كما قال الرسول الأعظم محمد (صلّى الله عليه وآله) للإمام علي بن أبي طالب (عليه السّلام) في أكثر من موقع ، وحديث : (( علي مع الحقّ والحقّ مع علي يدور معه حيثما دار ))(1) .
فالإمام علي (عليه السّلام) صار محوراً للحقّ يدور معه أينما توجّه وحيثما حلَّ ، فمثل هذه الشهادة المباركة من رمز الإنسانيّة الأوّل ، وأعظم شخصية عرفتها البشرية عبر العصور ، بحقّ خليفته ووصيّه والإمام القائد للأُمّة من بعده ، تعطينا إشارات نورانيّة ، وحالات قدسيّة تُحيط بتلك الشخصيات الاستثنائية ، فتُضفي عليهم وعلى حياة الأُمّة كلّها رونقاً خاصّاً .
فالإمام بعد الرسول : هو الشخص الكامل في الأُمّة الإسلاميّة ، وهو قمّة القيم الفاضلة العالية للأُمّة .
وبالتالي : هو الراية الخفّاقة العالية التي تتّخذها الأُمّة شعاراً للهداية والرشاد والنورانيّة ، ولا يمكن أن تكون إلاّ متفرّدة شامخة لا
يشين أو يسيء للآخرين ، وهذا يجعلك في حالة مراقبة دائمة لنفسك وتصرّفاتك ، وحتى كلماتك يجب أن تكون موزونة بميزان الذهب .
ويُروى عن الإمام (عليه السّلام) شعراً بهذا المعنى :
أفلحَ عبدٌ كُشف ال     ـغطاءُ عنهُ ففطن
وقرّ عيناً مَنْ رأى     أنّ البلاءَ في اللسن
فما زنَ ألفاظه     في كلّ وقتٍ ووزن
وخافَ من لسانه     غرباً حديداً فخزن(2)
فالعبد المفلح : هو الذي رفع الستار عن عينيه وبصيرته ، فعلم أنّ آفات اللسان هي أشدّ فتكاً من مخاطبة السنان بالإنسان ؛ ولذا وزن ألفاظه ، فلم يتحدّث إلاّ بذكر الله سبحانه ، أو ما ينفعه ويعينه ، وخزنه بين لحييه في غير هذه الموارد القليلة .
والحديث يطول في المقام التربوي للإمام الحسين (عليه السّلام) ، وسنعيد الكلام عند الحديث عن نفسه القدسية بإذن الله ، ولكن قبل أن أتجاوز أخي الكريم ، إليك هذه الحادثة النادرة التي تعبّر عن عظمة سيّد شباب أهل الجنّة ، ومدى تقديره لأهل العلم والأدب .
تقديره لأهل العلم والأدب
يُقال : إنّ أعرابياً جاء الحسين بن علي (عليه السّلام) وقال : يابن رسول الله , قد ضمنتُ دية كاملة وعجزت عن أدائها ، فقلت في نفسي : أسأل أكرم الناس ، وما رأيت أكرم من أهل بيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .
فقال الإمام الحسين (عليه السّلام) : (( يا أخا العرب ، أسألك عن ثلاث مسائل ، فإن أجبت عن واحدة أعطيتك ثلث المال ، وإن أجبت عن اثنتين أعطيتك ثلثي المال ، وإن أجبت عن الكلّ أعطيتك الكلّ )) .
فقال الأعرابي : يابن رسول الله ، أمثلك يسأل مثلي وأنت من أهل بيت العلم والشرف ؟!
فقال الحسين (عليه السّلام) : (( بلى ، سمعتُ جدّي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول : المعروف بقدر المعرفة )) .
فقال الأعرابي : سلْ عمّا بدا لك ، فإن أجبتُ وإلاّ تعلّمتُ منك ، ولا قوّة إلاّ بالله .
فقال الإمام : (( أيُّ الأعمالِ أفضلُ ؟ )) .
فقال الأعرابي : الإيمان بالله .
فقال الإمام : (( فَما النَّجاةُ منَ المهلَكة ؟ )) .
فقال الأعرابي : الثقة بالله .
فقال الإمام : (( فَما يُزيَّنُ الرَّجُلَ ؟ )) .
فقال الأعرابي : علم معه حلم .
فقال الإمام : (( فَإنْ أخْطأهُ ذلِكَ ؟ )) .
فقال الأعرابي : مال معه مروءة .
فقال الإمام : (( فَإنْ أخْطأهُ ذلِك ؟ )) .
فقال الأعرابي : فقرٌ معه صبر .
فقال الإمام : (( فَإنْ أخْطأهُ ذلِكَ ؟ )) .
فقال الأعرابي : فصاعقة تنزل عليه من السماء فتحرقه ؛ فإنّه أهلٌ لذلك .
فضحك الإمام الحسين (عليه السّلام) ورمى إليه بصرّة فيها ألف دينار ، وأعطاه خاتمه وفيه فصٌّ قيمته مئتا درهم ، وقال : (( يا أعرابِيّ ، أعْطِ الذَّهبَ إلى غُرَمائِك ، واصْرِفِ الخاتَمَ في نفَقَتِكَ )) .
فأخذه الأعرابي وانصرف وهو يقول : ( اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ )(3) .
أسمعت بمثل هذا الدرس العملي والعلمي ، وهذا الخُلق الرفيع ، وهذه الأخلاق العالية ، وهذا الأسلوب التربوي ؟!
الإمام العظيم (عليه السّلام) عَلِم من ذاك الأعرابي الأدب ، وتوسّم فيه الفطنة وحسن التربية ، فأراد أن يُعلّم الناس ومَنْ هم حوله ، أو الأُمّة ومَنْ يأتي بعده ، بهذا الأسلوب الحواري البسيط ، الكاشف عن شفافيّة الإمام (عليه السّلام) ، ومدى كرمه وتواضعه لأبناء أُمّته ، لا سيما طالب الحاجة ، فأخرج ما عنده من ظرف وأدب ، وأعطاه ما طلب منه من مال ومتاع .
لا يُقال : إنّ في ذلك إهانة للسائل ، حاشى للإمام (عليه السّلام) ؛ وهو الذي يقول في
هذا الباب : (( صاحبُ الحاجَةِ لَمْ يُكرِمْ وجْهَهُ عَنْ سُؤالِكَ ، فَأكرِمْ وَجْهَكَ عَنْ رَدِّهِ ))(4) .
وبهذا الأسلوب وهذه الطريقة أكرم الأعرابي أيّما إكرام حين عرَّف فضله وعلمه على الملأ ، وصار حديثه وقصّته من تراث وسنّة الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وكفاه فخراً ، ومن ناحية أُخرى فإنّه أخذ المال عن استحقاق ؛ لأنّه عرف الأسئلة الثلاثة ، وهذا أيضاً درس من الإمام بأن نجعل كلّ أمورنا علميّاً وثقافيّاً ؛ لكي يُقدّر الإنسان بقدر علمه ، ومستواه الثقافي والإيماني والروحي .
عطاء المعروف بقدر المعرفة
وهذه حادثة ورواية أُخرى عن الإمام الحسين (عليه السّلام) ، ربما تكون أجمل وأكمل من الأولى ، أنقلها لك عزيزي القارئ ؛ حتّى لا تظنّ أن القصّة واحدة أو الرواية يتيمة .
روي أنّ أعرابياً من البادية قصد الإمام الحسين (عليه السّلام) فسلَّم عليه فرَّد عليه السّلام وقال : (( يا أعرابِيُّ ، فيمَ قَصَدْتَنا ؟ )) .
قال : قصدتك في دية مسلّمة إلى أهلها .
قال (عليه السّلام) : (( أقَصدْتَ أحَداً قَبْلي ؟ )) .
قال : قصدت عتبة بن أبي سفيان فأعطاني خمسين ديناراً فرددتها عليه ، وقلت له : لأقصدنَّ مَنْ هو خير منك وأكرم .
قال عتبة : ومَنْ هو خير منّي
وأكرم لا أُمَّ لك ؟
فقلت : إمّا الحسين بن عليّ ، وإمّا عبد الله بن جعفر ( ابن أبي طالب ) ، وقد أتيتك بدءاً لتقيم بها عمود ظهري ، وتردّني إلى أهلي .
فقال الحسين (عليه السّلام) : (( والذي فَلَقَ الحبَّةَ ، وبْرَأ النَّسَمَةَ ، وَتَجَلّى بالعظَمَةِ ، ما في مِلْكِ ابْنِ بنتِ نبيّكَ إلاّ مئِتا دينارِ فأعطِهِ إيّاه يا غلامُ ، وإنّي أسْألُكَ عن ثلاثِ خِصالٍ إنْ أنتَ أجبتَني عنْها أتْمَمتُها خَمْسَمئةَ دينارٍ )) .
فقال الأعرابي : أكلّ ذلك احتياجاً إلى علمي ، أنتم أهل بيت النُبُوَّة ، ومعدن الرسالة ، ومختلف الملائكة ؟!
فقال الإمام الحسين (عليه السّلام) : (( لا ، ولكنْ سَمِعتُ جدّي رسول الله (صلّى  الله عليه وآله) يقول : أعطوا المعروفَ بقَدَرِ المعْرِفَة )) .
فقال الأعرابي : فسلْ ، ولا حول ولا قوةّ إلاّ بالله .
فقال الإمام الحسين (عليه السّلام) : (( ما أنْجى مِنَ الهَلَكَةِ ؟ )) .
فقال : التوكّل على الله .
فقال (عليه السّلام) : (( ما أرْوَحُ للِمُهمِّ ؟ )) .
فقال : الثّقة بالنفس .
فقال (عليه السّلام) : (( أيُّ شيءٍ خيرٌ للعبدِ في حياتهِ ؟ )) .
قال : عقل يزينه حلم .
فقال (عليه السّلام) : (( فَإنْ خانهُ ذلكَ ؟ )) .
فقال : مال يزينه سخاء وسعة .
فقال (عليه السّلام) : (( فإنْ أخْطأهُ ذلك ؟ )) .
قال : الموت والفناء خير له من الحياة والبقاء .
قال الراوي : فناوله الحسين خاتمه وقال : (( بعهُ بمئة دينارٍ )) . وناوله سيفه ، وقال : (( بعْهُ بمئتي دينارٍ ، واذهبْ فقدْ أتْممتُ لكَ خمسمئة دينارٍ )) .
فأنشأ الأعرابي يقول :
قلقتُ وما هاجني مقلقُ     وما بي سقامٌ ولا موبقُ
ولكن طربتُ لآلِ الرَّسول     ففاجأني الشعرُ والمنطقُ
فأنتَ الهمامُ وبدرُ الظلام     ومُعطي الأنامَ إذا أملقوا
أبوكَ الذي فازَ بالمكرمات     فقصَّرَ عن وصفهِ السبُّقُ
وأنتَ سبقتَ إلى الطيّبات     فأنتَ الجوادُ وما تلحقُ
بكم فتحَ اللهُ بابَ الهدى     وبابُ الضلالِ بكم مغلَقُ(5)
هذه الدروس يلزم عرضها للعالم ؛ لكي يعي منهج أهل البيت (عليهم السّلام) .
وهناك رواية أُخرى قريبة من هذه ترويها كتب التاريخ والفضائل لم أنقلها ؛ لكفاية هذا الذي نحن فيه من الدلالة التربويّة ، والدروس الأخلاقيّة الرائعة للإمام الحسين (عليهم السّلام) في تقدير العلم والاهتمام بالثقافة ، واحترام الإنسان المتعلّم ، وبكلّ تواضع وروح شفّافة وأريحيّة لا مثيل لها ، فسلام الله عليك يا أبا عبد الله الحسين المظلوم .